من الصحافة الورقية في مؤسسة عكاظ إلى اليوتيوب والإذاعة والكتابة الروائية، صنعت الإعلامية أميرة العباس مسيرة متنوعة جمعت بين الحضور الجماهيري والتأثير الثقافي والإعلامي.
وفي هذا الحوار مع «تفاعل السعودية»، تتحدث العباس عن أبرز محطات رحلتها المهنية، والتحديات التي واجهتها، وأهم الإنجازات التي حققتها، ورؤيتها لمستقبل الإعلام السعودي ودور المرأة فيه.
1- كيف بدأت رحلتكِ الإعلامية من الصحافة الورقية في مؤسسة عكاظ إلى الإعلام الرقمي والمرئي؟
بدأت رحلتي الإعلامية بشكل تدريجي. كنت طالبة جامعية عندما التحقت بالعمل في مؤسسة عكاظ للصحافة والنشر، وكان هناك مشروع لقناة رقمية على منصة يوتيوب قيد التأسيس، وكان من المفترض أن أتولى مسؤوليتها.
لكن المشروع لم يرَ النور بالشكل الكامل، فانتقلت للعمل في الأخبار الإلكترونية بالمؤسسة، حيث كنت أكتب الأخبار وأجري اللقاءات الصحفية، وقدمت خلال تلك الفترة مجموعة من اللقاءات الجميلة.
لاحقًا وصلني عرض للمشاركة في «بناتيوب»، ووجدت نفسي أمام خيارين: الاستمرار في الصحافة أو خوض تجربة اليوتيوب، فاخترت اليوتيوب وأكملت فيه. وبما أن العمل في اليوتيوب لم يكن وظيفة رسمية بدوام كامل، فقد التحقت بعد ذلك بإذاعة Mix FM، وكنت أعمل فيها بالتزامن مع تصوير حلقات «بناتيوب».
2- تجربة “بناتيوب” كانت من أوائل التجارب النسائية السعودية على اليوتيوب.. كيف تصفين تلك المرحلة اليوم؟
أعتبر تجربة «بناتيوب» تجربة رائدة وسباقة، ففي ذلك الوقت كان ظهور الفتيات على اليوتيوب في المملكة محدودًا جدًا. أصف تلك المرحلة بأنها كانت صعبة ومليئة بالتحديات، إذ واجهنا هجومًا كبيرًا ورفضًا لفكرة ظهور المرأة على منصات التواصل الاجتماعي بشكل عام.
وفي المقابل، أسميها أيضًا «وجه الخير»، لأن كثيرًا من الإنجازات والخير الذي تحقق في حياتي جاء بعد تلك المرحلة. فكما كانت قاسية وصعبة، كانت أيضًا جميلة ومليئة بالنجاحات، وأسهمت في صناعة اسمي الإعلامي.
3- ما التحديات التي واجهتكِ في تقديم محتوى جريء بقالب كوميدي ساخر في بدايات اليوتيوب؟
التحديات كانت كثيرة. مجتمع اليوتيوب آنذاك كان يغلب عليه الحضور الرجالي، لذلك كان مجرد كونك امرأة تقدم برنامجًا يُعد تحديًا بحد ذاته.
أما الكوميديا الساخرة أو السوداء، فهي تقوم على تقديم الألم بصورة ضحكة، والدمعة بصورة ابتسامة، وكان من الصعب أن تطرح موضوعات مؤلمة بأسلوب يجعل الناس يتفاعلون معها ويبتسمون في الوقت نفسه. كما واجهنا تحديات تتعلق بمواقع التصوير، إضافة إلى أن الظهور الإعلامي النسائي نفسه كان فكرة غير مقبولة لدى البعض في تلك الفترة.
4- كيف ترين تطور الإعلام السعودي النسائي منذ بداياتكِ وحتى اليوم؟
أرى أن التطور كان كبيرًا جدًا. في بداياتي كانت المذيعات السعوديات في التلفزيون قليلًا، وكانت الفرص محدودة. أما اليوم فأصبحت المرأة السعودية تحظى بدعم كبير من الجهات والقيادات الحكومية، وأصبح الإعلام السعودي عمومًا يحظى باعتراف عالمي.
التطور شمل مختلف المجالات؛ من التلفزيون والإذاعة إلى الصحافة الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي وحتى البودكاست، وأصبحت الخيارات أوسع ومساحات التعبير أكبر بكثير مما كانت عليه سابقًا.
5- الانتقال من اليوتيوب إلى الإذاعة عبر برنامج “عيشها صح”.. ماذا أضافت لكِ التجربة الإذاعية؟
في الحقيقة بدأت تجربتي الإذاعية من خلال برنامج «كافيين» الذي قدمته مع أحد الزملاء لمدة أربعة أشهر، ثم حصلت على فرصة لتقديم برنامجي الخاص «عيشها صح». بدأ البرنامج لمدة ساعتين يوميًا، ثم تطور إلى ثلاث ساعات.
واليوم أتحدث عن تجربة تمتد من 13 إلى 14 عامًا في الإذاعة، وهي تجربة صقلتني بشكل كبير. خلال هذه السنوات مررت بمراحل مختلفة؛ كنت خلالها أعمل في اليوتيوب، ثم تزوجت وأنجبت، وكانت الإذاعة جزءًا لا يتجزأ من حياتي. وقد أضافت لي الكثير من حيث الانتشار الإعلامي والحضور الجماهيري وبناء العلاقات الواسعة، خصوصًا مع الضيوف الذين استضفتهم على مدار السنوات.
6- البث المباشر يوميًا لمدة ثلاث ساعات ليس بالأمر السهل.. كيف كنتِ تحافظين على الحضور والطاقة والتفاعل؟
صحيح، فالبث اليومي لمدة ثلاث ساعات ليس بالأمر السهل، خاصة أن العمل الإذاعي يتطلب أحيانًا البث المصور المباشر، إضافة إلى إنتاج مقاطع مصورة ومحتوى متجدد، فضلًا عن استقبال ضيوف مهمين بشكل يومي داخل الاستوديو.
أما المحافظة على الحضور والطاقة، فكانت تتم عبر الفصل التام بين الحياة الشخصية والعمل. مررت بأيام كنت فيها حزينة أو أواجه تحديات شخصية، لكنني كنت أؤمن أن المستمع ليس مسؤولًا عما أمر به في حياتي الخاصة.
كما كنا نهتم بالنوم الجيد والعناية بالصوت، لأن ذلك ينعكس مباشرة على الأداء. والمستمع مع الوقت يصبح قادرًا على ملاحظة أي تغير في الحالة النفسية أو المزاجية من خلال نبرة الصوت. أما التفاعل فكان يعتمد على التجديد المستمر وقياس اهتمامات الجمهور والفئات المستهدفة لمعرفة ما يلقى قبولًا لديهم.
7- الكتابة الروائية تختلف عن العمل الإعلامي.. كيف ولدت فكرة رواية “وتاهت”؟
صحيح أن الكتابة الروائية تختلف تمامًا عن العمل الإعلامي. فكرة رواية «وتاهت» بدأت من مجموعة مسودات وملاحظات متفرقة كنت أكتبها على اللابتوب أو الهاتف أو حتى على الورق.
أنا بطبيعتي أحب كتابة الخواطر واليوميات والأفكار، وشعرت أن هناك مشاعر وأفكارًا لا يمكن أن تظهر عبر العمل الإعلامي، لكنها تجد مساحتها المناسبة داخل كتاب أو رواية يقرأها الناس، ومن هنا وُلدت الفكرة.
8- رواية “وتاهت” حققت نجاحًا واسعًا وكانت الأعلى مبيعًا لفترة طويلة.. هل كنتِ تتوقعين هذا الانتشار؟
بصراحة لم أكن أتوقع هذا الانتشار. كانت تجربتي الأولى في عالم الرواية، وأي تجربة أولى تكون عادة مليئة بالثغرات وربما بعض الأخطاء الطبيعية.
أعتقد أن من أسباب انتشار الرواية اسمي المعروف إعلاميًا، وهذا ساعد بالتأكيد، إلى جانب أن القراء أحبوا الرواية وتم تسويقها بشكل جيد، فاجتمعت عدة عوامل أسهمت في نجاحها وانتشارها.
9- ما الرسائل أو القضايا التي تحرص أميرة العباس على إيصالها من خلال أعمالها الأدبية؟
إذا تأملت أعمالي ستجد أنها تدور غالبًا حول المرأة وقضاياها المختلفة. كانت المرأة دائمًا محورًا رئيسيًا في رسائلي الأدبية؛ سواء كانت أمًا أو زوجة أو أختًا أو صديقة أو سيدة أعمال أو موظفة أو مخترعة.
أينما وجدت المرأة وجدت قصتها ورسالتها، وهذا ما كنت حريصة على تناوله في أعمالي.
10- حصولكِ على جائزة أفضل مقدمة برامج يوتيوبية في مهرجان الكوميديا الدولي المقام في أبها.. ماذا مثلت لكِ هذه الجائزة؟
كون المهرجان يضم أسماء كبيرة من الفنانين والإعلاميين والمشاهير، فإن وجودي بينهم في تلك المرحلة المبكرة من مسيرتي كان أمرًا مهمًا جدًا بالنسبة لي.
الجائزة مثلت تقديرًا كبيرًا للعمل الذي قدمته، خصوصًا أن تلك الفترة كانت مليئة بالهجوم والانتقادات، وكان من الممكن أن تؤدي إلى إحباطي أو تراجعي. لكن هذا التكريم جاء ليؤكد نجاح التجربة ويمنحني دفعة معنوية كبيرة للاستمرار.
11- كيف استقبلتِ اختياركِ ضمن أقوى 100 امرأة عربية من BBC؟
كان ذلك من أجمل الإنجازات التي حققتها في حياتي إلى اليوم. أن يتم اختياري ضمن أقوى 100 امرأة عربية من BBC كان محطة استثنائية بالنسبة لي.
كنت سعيدة للغاية بأن يكون اسمي ضمن قائمة تضم نساء صاحبات إنجازات وسير ذاتية كبيرة ومؤثرة على المستويين العربي والعالمي، خصوصًا أن هذا الإنجاز جاء في سن مبكرة.
12- كذلك تصنيف France24 لكِ ضمن أكثر النساء إلهامًا وريادة.. كيف تنظرين لمسؤولية هذا التأثير؟
أنظر إلى هذا التأثير باعتباره مسؤولية كبيرة جدًا، وهو من الإنجازات التي أعتز بها وأفخر بها.
كان هدفي دائمًا أن أُحدث أثرًا إيجابيًا وأن أُلهم الآخرين أكثر من مجرد السعي للشهرة. لذلك كان من الرائع أن تنظر مؤسسات إعلامية عالمية إلى ما تحقق داخل المملكة وتمنحه هذا التقدير.
13- ما أكثر محطة إعلامية تشعرين أنها شكّلت شخصية أميرة العباس الحقيقية؟
أعتقد أن كل محطة تركت أثرًا مختلفًا. الصحافة كانت الأساس المهني الصحيح الذي تعلمت من خلاله قواعد العمل الإعلامي.
اليوتيوب كان بوابة الشهرة والانطلاق والتعامل مع الجمهور وردود الفعل. أما الإذاعة فكانت مدرسة حقيقية في الالتزام والتجهيز اليومي والتواصل المباشر مع الجمهور لساعات طويلة.
كما كانت الأمسيات الشعرية، وتقديم الفعاليات، وكتابة الروايات محطات مهمة ومؤثرة، ولكل منها دور في تشكيل شخصيتي الإعلامية والإنسانية.
14- بصفتكِ سفيرة لجمعية رفق للحيوان.. كيف بدأ اهتمامكِ بحقوق الحيوان والعمل الإنساني؟
أحرص على التواجد في الفعاليات التي تعنى بالحيوان وحقوقه، كما أتحدث باستمرار عبر منصاتي عن أهمية الرفق بالحيوان وحسن رعايته.
أؤمن بأن هذه المخلوقات أرواح خلقها الله، ونحن مسؤولون عنها وعن التعامل معها برحمة وإحسان، وليس باعتبارها مجرد كائنات تعيش معنا في البيئة نفسها.
15- لو عاد بكِ الزمن للبداية.. هل ستختارين نفس الطريق الإعلامي والأدبي؟ ولماذا؟
بالتأكيد سأختار الطريق نفسه، لأنه هو الذي صنع ما أنا عليه اليوم.
سأكرر التجارب نفسها، وربما حتى الأخطاء نفسها، لأنها جميعًا كانت جزءًا من رحلتي وأسهمت في تشكيل شخصيتي المهنية والإنسانية.
16- حصلتِ مؤخرًا على تصنيف صادر من الاتحاد الدولي للصحافة والإعلام ضمن أبرز 50 إعلاميًا ومؤثرًا عربيًا لعام 2025.. ماذا يعني لكِ هذا الاختيار والتكريم؟
هذا التكريم يعني لي الكثير. فقد جاء بعد فترة من التراجع النسبي في الظهور الإعلامي بسبب حملي بابني الثاني، وكانت سنة 2025 من السنوات المرهقة بالنسبة لي.
ورغم قلة الظهور الإعلامي في تلك الفترة، جاء هذا الاختيار ليؤكد أن الأثر الحقيقي لا يقاس فقط بكثافة الظهور، بل بما يتركه الإنسان من حضور وتأثير. لذلك كنت سعيدة جدًا بأن أكون ضمن قائمة تضم نخبة من أبرز الإعلاميين والمؤثرين في الوطن العربي.
في عالم تملؤه الأحداث، تبرز تفاعل السعودية كمنصة تنبض بالقصص الملهمة وتمدكم بالعديد من الأخبار والتقارير عن السعودية التي تلامس شغفكم؛ فنحن لا ننقل الخبر فحسب، بل نبحث لكم عن الزوايا الفريدة التي تثري معرفتكم حول آخر المستجدات في الشأن السعودي.
ولأننا نؤمن بأن القارئ يستحق التميز، نبقى معكم لحظة بلحظة لنوافيكم بكل ما هو جديد وملهم.. ابقوا دائماً في قلب الحدث عبر منصتنا تفاعل السعودية.
https://tafaol.sa/125164/
















