يتسارع استخدام الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل بدول مجلس التعاون الخليجي، لكن تأهيل الموظفين لا يزال أقل من وتيرة انتشار هذه التقنيات، إذ يستخدم 82% من الموظفين الذكاء الاصطناعي مرة واحدة أسبوعيًا على الأقل، بينما لا تتجاوز نسبة من يتمتعون بثقة عالية في استخدامه 39%، وفق دراسة جديدة أصدرتها مجموعة الفطيم في 29 أكتوبر 2026.
الذكاء الاصطناعي في الخليج.. فجوة بين الاستخدام والجاهزية
استند تقرير «الذكاء الاصطناعي وتحولات بيئة العمل في دول الخليج» إلى استطلاع شمل 1,143 موظفًا في ستة أسواق خليجية، ضمن قطاعات متنوعة تشمل التكنولوجيا والسيارات والرعاية الصحية وتجارة التجزئة والضيافة والإلكترونيات والسلع الاستهلاكية.
وتشير نتائج الدراسة إلى أن 73% من المشاركين يرون أن الذكاء الاصطناعي ساهم في تحسين إنتاجيتهم، فيما لا يزال مستوى الثقة في استخدامه محدودًا مقارنة بمعدلات الانتشار، وهو ما يعكس فجوة بين تبنّي التكنولوجيا وتطوير المهارات اللازمة للاستفادة منها.
وشملت الدراسة آراء خبراء من شركات IBM وMicrosoft وInception42، التابعة لمجموعة G42، بشأن الفرص والتحديات المرتبطة بتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي في المنطقة.
التدريب على الذكاء الاصطناعي يرفع ثقة الموظفين

أظهرت الدراسة أن التدريب المتخصص يمثل أحد أبرز العوامل المؤثرة في قدرة الموظفين على استخدام الذكاء الاصطناعي بكفاءة؛ إذ ترتفع احتمالية شعور الموظفين الذين تلقوا تدريبًا مكثفًا بثقة عالية في استخدامه بمقدار 2.5 مرة مقارنة بغير المدربين.
كما يحقق الموظفون المدربون مكاسب أكبر في الإنتاجية، وتقترب احتمالية توفيرهم أربع ساعات أو أكثر أسبوعيًا بفضل استخدام الذكاء الاصطناعي من ضعف احتمالية تحقيق ذلك لدى غير المدربين.
ورغم هذه النتائج، أفاد موظف واحد من كل أربعة بأنه لم يتلقَّ تدريبًا رسميًا على الذكاء الاصطناعي من جهة عمله، بينما قال نحو موظف واحد من كل خمسة إنه حصل على تدريب مكثف، ما يسلط الضوء على الحاجة إلى توسيع برامج التأهيل والتطوير المهني.
القيادة المؤسسية تعزز استخدام الذكاء الاصطناعي
لا تقتصر جاهزية المؤسسات على توفير الأدوات التقنية والتدريب، بل تمتد إلى وجود استراتيجية واضحة للذكاء الاصطناعي وتوجيهات تتناسب مع طبيعة الوظائف.
ووفق الدراسة، سجلت المؤسسات التي تمتلك استراتيجية واضحة مستويات أعلى من ثقة الموظفين، فيما ارتفعت معدلات الاستخدام إلى ثلاثة أضعاف في المؤسسات التي يستخدم قادتها الذكاء الاصطناعي بانتظام، مقارنة بالمؤسسات التي يظل فيها انخراط القيادات محدودًا.
وتبرز هذه النتائج أهمية دور الإدارة في ترسيخ ثقافة التعلم المستمر، وتشجيع الموظفين على توظيف التقنيات الحديثة في مهامهم اليومية.
أمن البيانات أبرز تحديات تبنّي الذكاء الاصطناعي
رغم أثر التدريب في تعزيز الثقة وتحسين الإنتاجية، لم تختفِ المخاوف المتعلقة بأمن البيانات؛ إذ اعتبر نحو ثلث المشاركين أن حماية البيانات تمثل العائق الأكبر أمام استخدام الذكاء الاصطناعي.
واستمرت هذه المخاوف عبر مختلف الفئات العمرية ومستويات الأقدمية والقطاعات والأسواق، ما يشير إلى أهمية تطوير سياسات واضحة لحوكمة البيانات، وتحديد ضوابط الاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة.
وتؤكد النتائج أن التوسع في التدريب يحتاج إلى أن يتزامن مع تعزيز الأمن الرقمي، وتوضيح قواعد التعامل مع المعلومات الحساسة عند استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
فجوات التدريب بين الفئات الوظيفية
كشفت الدراسة عن تفاوت في فرص الحصول على التدريب، إذ أفاد 47% من الموظفين الذين تبلغ أعمارهم 45 عامًا فأكثر بأنهم لم يتلقوا أي تدريب رسمي على الذكاء الاصطناعي من جهة العمل، وهي النسبة الأعلى بين الفئات العمرية التي تناولها الاستطلاع.
كما أظهرت النتائج أن موظفي الصفوف الأمامية والعاملين في المؤسسات الصغيرة يحصلون على فرص أقل للوصول إلى برامج تدريب منظمة، رغم دورهم في خدمة العملاء وإدارة العمليات اليومية.
وتشير هذه الفجوات إلى ضرورة تصميم برامج تدريب تتناسب مع احتياجات الفئات المختلفة، بدلًا من اعتماد نهج موحد لا يراعي طبيعة الوظائف أو مستوى الخبرة.
الفطيم: الاستثمار في الموظفين يواكب التحول التقني
قالت موزة الفطيم، الرئيسة التنفيذية للذكاء الاصطناعي في مجموعة الفطيم، إن الفرصة في دول الخليج تتمثل في مواكبة تسارع تبنّي الذكاء الاصطناعي بالاستعداد اللازم للاستفادة من إمكاناته.
وأكدت أهمية الاستثمار في الموظفين بالتوازي مع الاستثمار في التكنولوجيا، وتمكين العاملين بمختلف المستويات الوظيفية من المهارات والثقة اللازمتين لاستخدامها بفاعلية، إلى جانب ترسيخ ثقافة التعلم المستمر.
من جانبها، أوضحت لولا موهانتي، الشريك الإداري لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا في IBM Consulting، أن تحقيق قيمة فعلية من الذكاء الاصطناعي يتطلب أكثر من مجرد تبنّي الأدوات التقنية، ويشمل إعادة تصميم أساليب العمل وتطوير مهارات الموظفين وبناء الثقة.
بدوره، أشار إبراهيم الجلاف، الرئيس التنفيذي للعمليات في Inception42، إلى أن تحقيق الأثر الأكبر يتطلب إعادة تصور العمليات بحيث يكون الإنسان والذكاء الاصطناعي جزءًا من تصميمها، مؤكدًا أهمية دور الموظفين الذين يمتلكون فهمًا عميقًا لطبيعة العمل في قيادة هذا التحول.
مستقبل الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل الخليجية
خلص التقرير إلى أن المرحلة المقبلة من التحول الرقمي في دول الخليج ستعتمد على قدرة المؤسسات على تحويل استخدام الذكاء الاصطناعي إلى نتائج ملموسة في الأداء والأعمال.
ويتطلب ذلك توسيع التدريب، وتعزيز جاهزية البنية التحتية للبيانات، وتطوير أطر الحوكمة والأمن، وإعادة تصميم آليات العمل بما يتيح الاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي.
وبحسب نتائج الدراسة، فإن نجاح المؤسسات لن يرتبط فقط بمدى توفر التكنولوجيا، بل بقدرتها على إعداد موظفين يمتلكون المهارات والثقة اللازمة لاستخدامها، مع قياس أثرها في نتائج الأعمال إلى جانب مكاسب الإنتاجية.
