في خطوة غير مسبوقة، بدأت المملكة العربية السعودية في إعادة تقييم عدد من مشروعاتها الكبرى، بعد أشهر من التلميحات بشأن تبني نهج أكثر واقعية في الإنفاق. حيث أصدر المسؤولون توجيهات عليا بإجراء مراجعات شاملة لعدة مشاريع طموحة كانت تمثل جزءاً من رؤية المملكة المستقبلية، بما في ذلك مشاريع في نيوم وجدة والرياض.
تأجيل دورة الألعاب الآسيوية الشتوية 2029:
شهد بداية الأسبوع الجاري تأجيل دورة الألعاب الآسيوية الشتوية 2029، التي كانت تعتبر إحدى الفعاليات الرياضية الكبرى في المملكة. وتم اتخاذ القرار بسبب التحديات اللوجستية والتكاليف العالية، خاصة في ظل خطة بناء منحدرات تزلج في الصحراء. هذا التأجيل يعكس بداية التحولات التي تشهدها خطط السعودية في مختلف القطاعات.
مراجعة مشروعات “ذا لاين” و”المكعب”
في السياق ذاته، تدرس السلطات السعودية إدخال تعديلات جوهرية على مشروعات أخرى بارزة، مثل مشروع “ذا لاين” في نيوم و مشروع “المكعب” في الرياض. ذا لاين الذي كان يتضمن ناطحتَي سحاب متقابلتين تمتدان على مسافة 170 كيلومترا، يعاني من تحديات التصميم والتكلفة، ما دفع القائمين عليه إلى إعادة تقييم الفكرة وربما تقليص حجم المشروع. أما مشروع “المكعب” في الرياض، فقد كانت خطط بناء مجمع ضخم تتسع لـ 20 مبنى بحجم إمباير ستيت، ولكنه الآن يخضع أيضًا للتعديل في ضوء التوجهات الجديدة.
التوجه نحو إعادة ترتيب الأولويات
هذه التغييرات تأتي في وقت حساس بالنسبة للسعودية، حيث بدأت السلطات في مراجعة شاملة للمشروعات التي كانت جزءًا من خطة التحول الاقتصادي. المراجعات تشمل مشاريع مستقبلية كانت تهدف إلى تعزيز الاقتصاد غير النفطي، ولكن في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة وضعف أسعار النفط، تتجه السعودية نحو تقليص التكاليف وتحقيق أثر اقتصادي أكبر بأقل الموارد.
المراجعات تشمل مشروعات أخرى
تشمل المراجعات أيضًا مشاريع أخرى في جدة و القدية، مثل جزيرة “ساحل القدية” التي كانت ستضم ملعبًا لمباريات كأس العالم 2034. لكن مع ارتفاع التكاليف، يُحتمل أن يتم إلغاء بعض المشاريع أو تعديلها بشكل كبير. على الرغم من ذلك، تستمر بعض المشاريع مثل استاد الأمير محمد بن سلمان في القدية وفق الخطط المقررة.
التركيز على الشراكات بين القطاعين العام والخاص
مع تصاعد هذه التعديلات، ترتكز السعودية على زيادة الشراكات بين القطاعين العام والخاص كوسيلة لتخفيف العبء المالي على الحكومة. من خلال هذه الشراكات، تأمل المملكة في جذب استثمارات أجنبية ضخمة ودعم القطاعات الاقتصادية الحيوية مثل الذكاء الاصطناعي، والسياحة، والطاقة المتجددة.
إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية
في إطار هذه التحولات، بدأ صندوق الاستثمارات العامة السعودي، الذي يدير أصولًا تقدر بـ تريليون دولار، في إعادة ترتيب أولويات الإنفاق. وقد عُكست هذه التوجهات في تصريحات وزير المالية السعودي محمد الجدعان في منتدى دافوس، حيث قال: “هدفنا هو تحقيق أثر اقتصادي أكبر بتكلفة معقولة”، مشيرًا إلى ضرورة تقليص الإنفاق بعد سنوات من الإنفاق غير المقيد.
مراجعة مشاريع كأس العالم 2034
أما في ما يتعلق بمشروعات كأس العالم 2034، فقد تم التشكيك في الحاجة لبناء عدد كبير من الملاعب الجديدة. وذلك بسبب زيادة التكاليف والصعوبات التي قد تواجهها المملكة في توفير تمويل لهذه المشاريع. من المتوقع أن تستفيد المملكة من تجارب دول أخرى، مثل قطر التي قلصت خططها لبناء ملاعب جديدة في مونديال 2022.
التسريع بالإصلاحات وتوسيع الاستثمارات
من جانب آخر، كثفت الحكومة السعودية وتيرة الإصلاحات الاقتصادية، عبر فتح أسواق العقارات و أسواق رأس المال أمام المستثمرين الأجانب. هذا التوجه ساعد في رفع قيمة سوق الأسهم السعودية بنسبة 9% منذ بداية عام 2026، ما يعكس تحسنًا في المناخ الاستثماري بالبلاد.
توجهات صندوق الاستثمارات العامة
وأكد صندوق الاستثمارات العامة أنه يواصل تخفيض عبء الإنفاق الحكومي من خلال استقطاب القطاع الخاص، مشيرًا إلى أن هذه الخطوات تساهم في رفع الإيرادات غير النفطية وضمان استدامة المشاريع الكبرى.
من خلال هذه التحولات والتعديلات في الخطط، تُظهر المملكة السعودية مرونة في التعامل مع التحديات الاقتصادية العالمية والمحلية. هذه الخطوات تؤكد عزم المملكة على تحقيق أهداف رؤية 2030، مع مراجعة استراتيجية تهدف إلى تقليص المخاطر المالية وتحقيق استدامة اقتصادية طويلة المدى.
















