لطالما كان التفاوت في متوسط العمر المتوقع بين الجنسين لغزًا علميًا مثيرًا، حيث يسير قطار العمر بين الرجال والنساء على اتجاهين مختلفتين تمامًا؛ فالنساء يعشن لسنوات أطول مقارنة بالرجال عالميًا، لكنهن يواجهن معدلات أعلى من الأمراض المرتبطة بالشيخوخة.
هذا التناقض المحير دفع الباحثين في معهد “ماكس بلانك” لبيولوجيا الشيخوخة إلى التعمق في الأسباب الخلوية والبيولوجية، لتبدأ رحلة استكشافية واعدة تهدف إلى ردم هذه الفجوة الحيوية ومنح الطرفين حياة أطول وأكثر صحة.
قطار العمر بين الرجال والنساء: فجوة تاريخية تتسع
تاريخيًا ظل عمر النساء أطول باستمرار من الرجال، حيث سجل عام 2010 أدنى فارق بينهما بمعدل 4.8 سنوات ومع ذلك، عادت الفجوة لتتسع مجددًا في الولايات المتحدة بمقدار 0.2 سنة خلال العقد التالي، ثم قفزت بمقدار 0.7 سنة خلال العامين الأولين من جائحة كورونا.
وفي عام 2021، سجل متوسط العمر المتوقع للنساء 79.3 سنة، مقابل 73.5 سنة للرجال، لتصل الفجوة بينهما إلى 5.8 سنوات، وهو الفارق الأكبر من نوعه منذ عام 1996.
كما تعود هذه الاختلافات في الأساس إلى تباين معدلات الوفيات الناتجة عن أمراض القلب، الأوعية الدموية، وسرطان الرئة، والتي ترتبط تاريخيًا بأنماط سلوك التدخين التي منحت النساء تفوقًا في طول العمر على مدار القرن الماضي.
ومع ذلك، تشير الدراسات الحديثة إلى أن الرجال يواجهون حاليًا معدلات وفيات أعلى بكثير بسبب عوامل متعددة وأسباب رئيسية أخرى، مما يسهم في توسيع هذه الفجوة الحيوية بشكل متسارع.
دراسة هارفارد: عوامل سلوكية واجتماعية تقصر عمر الرجال
كشفت دراسة لجامعة هارفارد، نشرتها “نيويورك تايمز”، عن اتساع فجوة العمر المتوقع بين الجنسين في أمريكا إلى 5.8 سنة عام 2021، وهو المعدل الأعلى منذ عقود، وتعود جذور هذا التفاوت قبل الجائحة إلى ارتفاع وفيات الرجال جراء الإصابات غير المقصودة، السكري، الانتحار، والقتل، في حين توازنت النسب بمعدلات الزهايمر والسرطان، ومع تفشي الوباء.
تصدر كوفيد-19 المشهد كعامل محوري عزز هذا الانقسام الحيوي، مما يعكس تحولات حادة تعيق الارتقاء بالمؤشرات الصحية العامة للرجال وتدفعها نحو التراجع.

عوامل حاسمة تباعد بين عمر الجنسين
أظهرت البيانات الفارق الصادم في وفيات كوفيد-19 عام 2021، حيث بلغت 131 وفاة لكل 100,000 رجل مقابل 82 وفاة للنساء، حيث ساهم ذلك في تباعد متوسط العمر المتوقع بمقدار 0.33 سنة منذ 2019، كما تضاعفت وفيات الرجال جراء الإصابات غير المقصودة، خاصة الجرعات الزائدة من المخدرات، لتضيف فارقًا قدره 0.27 سنة.
ويعزو الباحثون هذا الاتساع إلى السلوكيات الصحية السلبية، ارتفاع الأمراض المصاحبة لدى الذكور، والعوامل الاجتماعية والاقتصادية كالسجن والتشرد.
بينما ساهمت زيادة وفيات الأمهات والتحسن الطفيف لوفيات السرطان بين الرجال في تخفيف الفجوة جزئيًا، كي يستدعي الارتقاء بالوعي الصحي الوقائي للرجال.
أدوية الشيخوخة المخصصة: هل يكمن السر في تحديد الجنس؟
رغم أن هذه الدراسة تفتح آفاقًا جديدة حول تباين الاستجابة البيولوجية لآليات الشيخوخة والالتهام الذاتي وعقار “الراباميسين” لدى ذباب الفاكهة، إلا أن الطريق لا يزال طويلاً للتأكد من مطابقة هذه النتائج بدقة على البشر، كما لا يمكن تعميم هذه البيانات على الفئات المتواجدة في أماكن أخرى من الطيف الجنسي.
ومع ذلك، يظل فهم تأثير الجنس على تطور الأمراض المزمنة والاستجابات الدوائية ركيزة أساسية لتطوير علاجات مكافحة الشيخوخة، وتؤكد عالمة الوراثة البريطانية “ليندا بارتريدج” أن الجنس يمثل عاملاً حاسمًا في كفاءة العقاقير، كي يجعل دراسة هذه العمليات الخاصة بكل جنس خطوة جوهرية للوصول إلى علاجات شخصية مبتكرة تضمن الارتقاء بجودة الحياة الإنسانية في مراحل العمر المتقدمة.
وفي ختام هذه الرحلة العلمية المثيرة بين ثنايا البيولوجيا وأسرار قطار العمر بين الرجال والنساء تواصل منصة تفاعل السعودية التزامها الراسخ بتقديم أحدث القراءات التحليلية والمستجدات الطبية التي تهم مجتمعنا، سعيًا نحو الـ ارتقاء بالوعي الصحي وبناء مستقبل رقمي معرفي يواكب تطلعاتكم، ليكون بمثابة دليل الأعمال الشامل والبوصلة الموجهة لكل المستثمرين والمهتمين بالقطاع الصحي والمعرفي في المملكة.
شاركونا آراءكم وتوقعاتكم حول هذه الاكتشافات في التعليقات، وتابعونا دائمًا ليصلكم كل جديد.
الأسئلة الشائعة حول قطار العمر بين الرجال والنساء
https://tafaol.sa/125837/
















