إن العقل البشري ليقف مدهوشُا، مكبوح الجموح، أمام آيةٍ واحدة من كتاب الله، تطوي في سبع كلماتٍ ملحمة الوجود بأسره، من مبتداه إلى منتهاه، ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ آيةٌ تقرر في إيجازٍ معجز ما أعيا الفلاسفة عبر القرون، وتضع للمفكرين “السردية الكبرى” لقصة الكائنات: بدءٌ من عدم، ثم دورةٌ من تجدد، ثم أوبةٌ إلى الخالق الديان، وبين كل طورٍ وطور، ينتصب حرف (ثُمَّ) ليقرر حتمية الانتقال، وصرامة القانون، وتراخي الزمن الذي يفضي بيقينٍ لا ريب فيه إلى غايته.
ولا جرم أن هذا النص القرآني ليس مجرد إخبارٍ عن حدثٍ غابر، بل هو إرساءٌ لمنهجٍ عقديّ متين. فهو ينفي عن الخالق عز وجل صفة الصانع المعتزل، الذي حرّك عجلة الكون ثم تركها تدور في فراغ؛ بل يثبت له القيومية المطلقة؛ فهو المُبدئ في كل لحظة، والمُعيد في كل طرفة عين، وإليه المنتهى، وبهذا البيان الشامخ، يضع القرآن إجاباته القاطعة على أسئلة العقل الكبرى: من أين المجيء؟ وما سر البقاء؟ وإلى أين المصير؟
الطور الأول.. بداءة الوجود وانبثاق النور من العدم
﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾.. كلمةٌ تصدع بالحق، وتقرر الإيجاد من المحض، والاختراع من غير مثالٍ سبق، وهنا نرى كيف تصادمت هذه الحقيقة القرآنية الناصعة، حقباً طوالاً، مع ظلمات الفلسفة الموروثة، فقد ركن الفكر الإنساني، منذ أرسطو وما تلاه، إلى وهم “أزلية الكون”، زاعمين أن المادة وحركتها لا بداية لها ولا مستهل.
وظلت هذه اللوثة الفكرية تتسرب إلى الفلسفة الطبيعية حتى العصور الحديثة؛ فنيوتن رأى الكون ممتداً بلا بداية، وحتى آينشتاين – في مطلع أمره – ضاق ذرعاً بفكرة “البداية”، فتعسف في إقحام تعديلٍ رياضيّ (الثابت الكوني) ليفر من حتمية النشأة، لأن فكرة الكون المخلوق كانت تقض مضجعه الفلسفي.
بيد أن شمس الحقيقة لا تحجبها غرابيل الفلاسفة، فما هي إلا عقود من القرن العشرين، حتى انهار صرح “الأزلية” الموهوم أمام ضربات الرصد الفيزيائي، فمن حسابات “لومتر”، إلى تلسكوبات “هابل”، وصولاً إلى التقاط “أصداء الانفجار العظيم” (الخلفية الإشعاعية الميكروية)، أطرَق العلم الحديث رأسه إجلالاً، معترفاً بأن لهذا الكون بدايةً قاطعة ضُربت قبل مليارات السنين، فكل ما هو كائن، مسبوقٌ بعدم، ولم يعد قوله ﴿يَبْدَأُ﴾ مسألةً غيبية يناطح فيها المادّيون، بل غدت حقيقةً فيزيائية يدرسونها في قاعاتهم.
غير أن لغة القرآن أشف وأدق؛ فصيغة المضارع (يَبْدَأُ) لا تقف عند حدود “الانفجار العظيم”، بل تخبرنا عن إيجادٍ يتجدد في كل لمحة، فكل وليدٍ يصرخ، وكل فكرةٍ تلمع، وكل نجمٍ يتخلّق في سدم الفضاء، إنما هو قبسٌ من هذا الإبداء الإلهي الموصول.
الطور الثاني.. سنة التجدد وقانون الإعادة
ثم تتوالى فصول الملحمة بقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، والإعادة في منطق العقل أيسر من الابتداء، كما قررها التنزيل في موضع آخر: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾.
وقد فقه الأقدمون من هذه الإعادة دورة الحياة والموت والبعث، ورأوا في سنن الطبيعة – من تعاقب المطر وجفاف الأرض ثم اهتزازها بالزرع – دلائل مبثوثة على هذا التكرار المتصل.
إلا أن العلم الحديث جاء ليضع أمام أعيننا من تفاصيل هذه (الإعادة) ما يُخرِس كل جاحد، فلو سألت علم الأحياء اليوم عن جسدك هذا الذي تقرأ به هذه السطور، لأجابك بأنه ليس جسدك الذي كسا عظامك قبل عشر سنين! فخلايا جلدك، وقطرات دمك، وأنسجة كبدك، بل وحتى عظامك الصلبة في حالة هدم وبناء دائبة لا تهدأ.
لذا فأنت في كل دورة شمس كائنٌ يتلاشى ويتجدد.. أنت تُبْدَأ وتُعَاد في كل ذرة من كيانك المادي، ومع هذا التبدل المعجز، تبقى هويتك وذاكرتك وروحك ثابتة لا تتغير، أفلا يتدبرون أن جسد الإنسان ذاته هو مسرحٌ مصغر تُتلى عليه كل يومٍ حقيقة: (الله يبدأ، ثم يعيد)؟
ولئن صدّقت نظريات الفيزياء الكونية المعاصرة التي تتحدث عن “أكوان دورية” تنبثق وتفنى ثم تعاود الانبثاق، فإنها لا تزيد النص القرآني إلا جلاءً، لتثبت أن قانون الوجود بأكمله مبنيٌ على هذه السنة الإلهية الصارمة: بداءةٌ فإعادة.
الطور الثالث: المآب وإغلاق الدائرة
وتُختتم السردية الكبرى بالكلمة الفَصْل: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، تأمل البناء للمجهول هنا؛ فالإنسان لا يرجع بقوته، ولا يمضي إلى ربه باختياره، بل هو “يُرجَع”، لذا فالموت ليس إنجازاً نحققه، والبعث ليس رحلةً نقطعها، بل هو قدرٌ يُجرى علينا وإرادةٌ عليا نساق إليها.
وهنا تتجلى العبقرية المنطقية في التسلسل القرآني، فالآية لا تلقي بالحقائق جزافاً، بل تبني قياساً عقلياً محكماً: إذا كان العقل يقر بـ (الابتداء)، والعين تشهد بـ (الإعادة) في كل ظاهرة حيوية وكونية، فكيف يستنكر الإنسان (الرجوع) النهائي؟
فإذا كنت ترى الفصلين الأولين من مسرحية الوجود يُعرضان أمامك في كل طرفة عين أفيسوغ لعقلٍ حصيف أن ينكر الفصل الختامي؟ وإذا كان الذي أوجدك من عدمٍ قادرٌ على ذلك، أفيعجزه أن يعيدك بعد أن كنت شيئاً مذكوراً؟
الذات بين المادة والروح
ولعل متفلسفاً يسأل: إذا كانت ذرات أجسادنا تتبدل وتتحلل وتعود إلى طين الأرض، فمن الذي سيبعث؟ وما هي (الذات) التي ترجع؟
والجواب الذي ينسجم مع أعمق نظرات الفلسفة – ويقره التوحيد الخالص – أن الذات الإنسانية ليست كومةً من الذرات المادية، بل هي “النسق” و”الشيفرة” والروح التي نفخها الخالق.
فذراتك تتغير كما تتغير أحجار البناء، لكن التصميم واحد، وحين يبعث الله الخلائق، فهو لا يجمع غباراً مبعثراً كيفما اتفق، بل يعيد هذا (النسق) الفريد الذي حفظه في علمه المحيط، ولهذا كان البعث إرجاعاً لشيء محفوظ، لا خلقاً لمعمّى مجهول.
التفاتةٌ تهز الوجدان
في ختام هذا البيان الجليل دعني أقف بك أمام التفاتةٍ لغوية لا يدرك سرها إلا من أوتي حظاً من تذوق البيان العربي، فالفعلان ﴿يَبْدَأُ﴾ و ﴿يُعِيدُهُ﴾ جاءا بضمير الغائب، يتحدثان عن جلال الله وقوانينه الكبرى المفروضة على هذا الكون العريض، ولكن حين جاءت لحظة الحقيقة، لحظة النهاية والمآل، التفت النص ليفاجئك بضمير المخاطب: ﴿تُرْجَعُونَ﴾.. أنتم!
فجأة يتقلص هذا الكون المترامي الأطراف، وتتوارى المجرات وقوانين الفيزياء، لتجد نفسك – أيها الإنسان – وجهاً لوجه أمام خالقك، إنها ليست مجرد قصةٍ عن الكون وتطوره، بل هي، في صميمها، قصتك أنت، وما الكون كله إلا خشبة مسرحٍ أُعدت لتختبر عليها، ثم تُرجع إلى من بيده مقاليد السماوات والأرض.
إعداد: إبراهيم البلوشي
https://tafaol.sa/%d9%85%d9%84%d8%ad%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%88%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%84%d8%a7%d8%ab%d9%8a%d8%a9/


















