في شرق منطقة جازان، تختبئ عيون مائية حارة في محيط بحيرة سد وادي جازان، تتدفق من باطن الأرض بدرجات حرارة تتجاوز 50 درجة مئوية، لتشكل أحد الموارد الطبيعية التي يمكن أن تجمع بين السياحة والاستشفاء والاستثمار في محافظة العارضة.
عيون العارضة الحارة.. مياه ساخنة من باطن الأرض
تُعد العارضة إحدى المحافظات الجبلية في منطقة جازان، وتتميز بتنوع تضاريسها بين الجبال والأودية والغابات والمزارع، إلى جانب عدد من المواقع السياحية، من بينها بحيرة السد وعيون المياه الحارة الجوفية.
وتقع عيون العارضة الحارة على ضفاف وادي جازان، بالقرب من بحيرة السد، وتتميز بمياه معدنية وكبريتية ذات درجة حرارة مرتفعة. ووفق تقرير نشرته «سبق» في 2021، تتجاوز حرارة مياه العيون 50 درجة مئوية، وكانت تستقطب زوارًا يقصدون الموقع للاستفادة من مياهه الحارة.
ولا تأتي أهمية العيون من درجة حرارتها فقط، وإنما من طبيعة المياه نفسها، إذ ارتبطت العيون الحارة في جازان منذ سنوات باستخدامات الاستشفاء التقليدية، وأصبحت جزءًا من المقومات السياحية التي تعتمد على الموارد الطبيعية للمنطقة.
من الاستشفاء التقليدي إلى السياحة الصحية في جازان
يمثل وجود المياه المعدنية والكبريتية عنصر جذب للباحثين عن تجارب الاسترخاء والاستشفاء، لكن القيمة السياحية للعيون لا تنفصل عن البيئة المحيطة بها.
فالعارضة ليست مجرد موقع للعيون الحارة، وإنما محافظة ذات طبيعة جبلية ومزارع وقرى ووجهات ريفية، ما يتيح إمكانية دمج زيارة العيون ضمن تجربة سياحية أوسع.
وتشير مصادر رسمية إلى أن القطاع الجبلي في جازان، الذي تضم محافظاته العارضة وفيفا والداير بني مالك والريث والعيدابي وهروب، يتمتع بمقومات للسياحة البيئية، تشمل الغطاء النباتي والتنوع الحيوي والمحاصيل الزراعية، ومنها البن السعودي والفواكه الاستوائية والعسل الجبلي.
وفي 2026، واصلت العارضة تعزيز حضورها على خريطة السياحة الطبيعية، مع أعمال تأهيل وتطوير مطل العارضة، الذي تبلغ مساحته نحو 288 ألف متر مربع، بما يستهدف رفع كفاءة مرافقه وتعزيز استخدامه للأنشطة الترفيهية والرياضية.
العيون الحارة.. تجربة أوسع في جازان
ولا تنفرد العارضة بوجود هذا النوع من الموارد الطبيعية في جازان؛ إذ توجد عيون حارة أخرى في المنطقة، من أبرزها العين الحارة في مدينة الخوبة بمحافظة الحرث.
وتكشف تجربة الخوبة عن إمكانية تحويل المياه الحارة من مورد طبيعي إلى منتج سياحي متكامل. ففي 2013 بدأت الجهات المعنية تنفيذ مشروع للسياحة الاستشفائية في العيون الحارة بمحافظة الحرث، تضمن مغاطس للمياه الكبريتية، وغرفًا للتدليك والعلاج الطبيعي، ومسطحات خضراء ومواقف ومرافق لخدمة الزوار.
ويواصل متنزه العين الحارة في الخوبة جذب الزوار، إذ أفادت وكالة الأنباء السعودية في يوليو 2026 بأن الموقع يشهد إقبالًا متزايدًا، ويضم ينابيع حارة تتدفق على مدار العام وتتميز بمياهها المعدنية والكبريتية.
هذه التجربة تمنح عيون العارضة سياقًا أوسع داخل منظومة السياحة الاستشفائية في المنطقة، خصوصًا مع تنامي الاهتمام بتحويل الموارد الطبيعية إلى وجهات سياحية منظمة.
من عين طبيعية إلى فرصة استثمارية
اللافت في قصة عيون العارضة أن الحديث عنها لم يعد مرتبطًا بالسياحة الطبيعية فقط، بل وصل إلى مسار الاستثمار.
ففي نوفمبر 2024، أعلنت أمانة منطقة جازان طرح 12 فرصة استثمارية نوعية أمام القطاع الخاص، شملت أنشطة سياحية وترفيهية وطبية ورياضية، وكان من بينها «منتجع العين الحارة الاستشفائي».
ويعكس طرح هذا المشروع توجهًا نحو الاستفادة الاقتصادية من الموارد الطبيعية، عبر إنشاء منتج سياحي يجمع بين خصائص المياه الحارة والخدمات السياحية والاستشفائية، بدل أن يظل الموقع مجرد نقطة يقصدها الزوار بصورة فردية.
كما طرحت أمانة منطقة جازان ممثلة في بلدية محافظة العارضة، في أكتوبر 2024، 26 فرصة استثمارية في المحافظة شملت أنشطة سياحية وترفيهية وفندقية ورياضية وتجارية، من بينها منتجع سياحي وترفيهي.
مقومات متعددة حول العيون
وتزداد قيمة العيون الحارة عندما تُقرأ ضمن المشهد السياحي الكامل للعارضة.
فالمحافظة تضم مواقع جبلية وطبيعية تستقطب الزوار، فيما تتميز مرتفعاتها بالغطاء النباتي والمدرجات الزراعية والإطلالات الطبيعية. وفي صيف 2026، أشارت «واس» إلى تنامي حركة الزوار في المواقع الجبلية بالمحافظة، خصوصًا الباحثين عن الأجواء المعتدلة والطبيعة، إلى جانب انتشار مزارع البن والفواكه الاستوائية.
كما يمثل سوق العارضة الشعبي، الذي يقام أسبوعيًا يوم الخميس، عنصرًا آخر يمكن دمجه ضمن تجربة الزائر؛ إذ تشير «واس» في أغسطس 2026 إلى أن السوق يحافظ على حضوره منذ أكثر من 135 عامًا، ويجمع المنتجات الزراعية والحرف اليدوية والمأكولات والملبوسات الشعبية.
وهكذا يمكن للزائر، نظريًا، أن يجد في وجهة واحدة أكثر من عنصر جذب: مياه حارة، وطبيعة جبلية، ومزارع، وأسواق شعبية، وتجارب مرتبطة بالموروث المحلي.
بين المورد الطبيعي وفرصة التطوير
وتعود بعض أبرز التقارير التي تناولت تحديات تطوير عيون العارضة إلى عام 2021، عندما أشارت «سبق» إلى وجود إشكالات مرتبطة بتطوير الموقع، من بينها خلافات حول ملكية بعض الأراضي. لكن هذه المعلومات تعود إلى ذلك التوقيت، ولا تكفي وحدها للحكم على الوضع الحالي للموقع.
أما التطورات الاستثمارية اللاحقة، ومنها طرح «منتجع العين الحارة الاستشفائي» في 2024، فتشير إلى استمرار وجود توجه للاستفادة من هذا النوع من المواقع ضمن الفرص السياحية والاستثمارية في منطقة جازان.
ويبقى التحدي في تحويل الخصائص الطبيعية للعيون إلى تجربة متكاملة، تحافظ على المورد الطبيعي وتوفر في الوقت نفسه بنية مناسبة لاستقبال الزوار، وخدمات سياحية واستشفائية، ومعايير واضحة للسلامة والاستدامة.
عيون العارضة على خريطة السياحة
تقدم عيون العارضة نموذجًا لمورد طبيعي مختلف داخل المشهد السياحي السعودي؛ فالمياه الحارة والكبريتية تمنح الموقع ميزة لا تتكرر في كثير من الوجهات، بينما تضيف طبيعة العارضة الجبلية والزراعية عناصر أخرى يمكن البناء عليها.
ومع إدراج «منتجع العين الحارة الاستشفائي» ضمن الفرص الاستثمارية المطروحة في جازان، تبدو العيون أمام مسار مختلف عن الماضي: من مورد طبيعي يقصده الزوار إلى فرصة يمكن تطويرها ضمن منتج سياحي واستشفائي أكثر تنظيمًا.
عيون العارضة الحارة.. مياه كبريتية تفتح باب السياحة الاستشفائية في جازان https://t.co/M3A7CS2nra
— نجلاء جان | سياحة وسفر (@NajlahYS) October 6, 2026
