البرامج

بعد 4 قرون.. الأمم المتحدة تعتمد قرارا دوليا بتغيير خريطة العالم

• تفاعل السعودية

بعد أكثر من أربعة قرون على ظهور خريطة مركاتور، دفعت الأمم المتحدة باتجاه إعادة النظر في الطريقة التي تظهر بها القارات على الخرائط العالمية، بعدما اعتمدت الجمعية العامة قرارًا يشجع على استخدام إسقاطات خرائطية تعكس المساحات الحقيقية لليابسة بصورة أكثر دقة، من بينها إسقاط «إيكوال إيرث».

وحصل القرار، الذي قادته توغو بدعم من الاتحاد الأفريقي، على تأييد 164 دولة، مقابل اعتراض الولايات المتحدة وامتناع 6 دول عن التصويت. ولا يفرض القرار تغيير الخرائط المستخدمة حاليًا، لكنه يدعو الحكومات والمؤسسات التعليمية والمنظمات الدولية وشركات التكنولوجيا إلى اعتماد تمثيلات أكثر دقة للمساحات الجغرافية.

وتأتي الخطوة في إطار جدل مستمر حول خريطة مركاتور، التي ظهرت عام 1569، وصُممت أساسًا لخدمة الملاحة البحرية، لكنها أصبحت لاحقًا من أكثر الخرائط استخدامًا في التعليم والكتب والمراجع والخرائط الرقمية، رغم تشويهها النسبي لأحجام المناطق البعيدة عن خط الاستواء.

خريطة درسناها 5 قرون.. ولم تكن صحيحة

لم تكن خريطة مركاتور «خاطئة» في الغرض الذي صُممت من أجله، لكنها لا تعكس المساحات الحقيقية للقارات والدول. فقد ابتكر الجغرافي ورسام الخرائط الفلمنكي جيراردوس مركاتور إسقاطه عام 1569 لمساعدة البحارة على رسم مساراتهم، من خلال الحفاظ على الاتجاهات والزوايا اللازمة للملاحة.

وتقوم الفكرة على تحويل سطح الأرض الكروي إلى خريطة مسطحة، وهو ما يستحيل تحقيقه من دون تشويه أحد عناصر الصورة الجغرافية، سواء المساحة أو الشكل أو المسافة أو الاتجاه.

وفي حالة مركاتور، جاء الحفاظ على الاتجاهات على حساب المساحات. وكلما ابتعدت المنطقة عن خط الاستواء باتجاه القطبين، زاد تضخيم حجمها على الخريطة، بينما تبدو المناطق القريبة من خط الاستواء أصغر نسبيًا مما هي عليه.

وتظهر المشكلة بوضوح عند مقارنة أفريقيا بالمناطق الواقعة في شمال الخريطة، إذ تبدو القارة الأفريقية أصغر من مساحتها الحقيقية، في حين تظهر جرينلاند وأجزاء من أوروبا وأمريكا الشمالية بأحجام أكبر نسبيًا.

لماذا كذبت علينا خريطة ميركاتور؟

لم تكذب مركاتور بالمعنى الحرفي، لكنها قدمت صورة غير دقيقة لأحجام القارات عندما استُخدمت لأغراض تتجاوز الملاحة.

فالإسقاط الذي حمل اسم مركاتور يحافظ على الزوايا والاتجاهات، وهي ميزة جعلته مناسبًا لتحديد المسارات البحرية، لكنه يضخم المساحات كلما اتجهنا نحو القطبين.

وتكمن المفارقة في أن الخريطة التي خدمت الملاحة بكفاءة لقرون أصبحت أيضًا وسيلة شائعة لتصور شكل العالم، خصوصًا في المدارس والكتب، رغم أنها لم تُصمم أصلًا للمقارنة بين أحجام القارات.

وتعتبر توغو أن استمرار استخدام هذا التمثيل ساهم في تكريس صورة غير متوازنة عن حجم أفريقيا، وربطت حملتها لاعتماد خرائط بديلة بجهود أوسع للتعامل مع إرث الحقبة الاستعمارية.

ولا يتعلق الأمر بتغيير جغرافي فعلي؛ فأفريقيا لن تكبر، والولايات المتحدة لن تنكمش. التغيير يطال الصورة التي تظهر بها هذه المناطق على الخريطة فقط.

غرينلاند بحجم أفريقيا؟ الحقيقة أنها أصغر 14 مرة

تعد المقارنة بين جرينلاند وأفريقيا من أوضح الأمثلة على تشوه المساحات في إسقاط مركاتور.

فعلى الخريطة التقليدية، تبدو جرينلاند قريبة من أفريقيا في الحجم، بينما تبلغ مساحة أفريقيا نحو 30.4 مليون كيلومتر مربع، مقابل نحو 2.2 مليون كيلومتر مربع لجرينلاند؛ أي أن أفريقيا أكبر منها بنحو 14 مرة.

ويعود الفارق الكبير بين الصورة والحقيقة إلى موقع جرينلاند القريب من القطب الشمالي، حيث يزداد التضخيم الذي يسببه إسقاط مركاتور.

وتنطبق القاعدة نفسها بدرجات مختلفة على مناطق أخرى تقع بعيدًا عن خط الاستواء، ما يجعل المقارنة البصرية المباشرة بين القارات على خريطة مركاتور مضللة إذا كان الهدف هو قياس المساحة.

ومن هنا يأتي أحد أبرز أهداف الإسقاطات متساوية المساحة: إظهار الفروق الحقيقية بين أحجام الدول والقارات، حتى لو تطلب ذلك التضحية ببعض الدقة في الشكل أو الاتجاه.

«إيكوال إيرث».. الخريطة التي تعيد القارات إلى حجمها

ظهر إسقاط «إيكوال إيرث» عام 2018 كأحد البدائل التي تسعى إلى معالجة مشكلة تشويه المساحات. وطوره رسامو الخرائط بويان شافريتش وتوم باترسون وبرنهارد جيني، بهدف تقديم خريطة تحافظ على المساحات النسبية الحقيقية للقارات والدول.

ويعتمد الإسقاط على مبدأ «تساوي المساحة»، أي أن المساحة التي تشغلها منطقة على الخريطة تتناسب مع مساحتها الفعلية على سطح الأرض.

ولا يعني ذلك أن «إيكوال إيرث» تلغي جميع أنواع التشوه. فكل خريطة مسطحة لكوكب كروي تتضمن قدرًا من التشويه، لكن الفرق أن الإسقاط يعطي الأولوية للحفاظ على المساحة بدلًا من الحفاظ على الاتجاهات التي تميز مركاتور.

وبذلك تظهر أفريقيا بحجمها النسبي الأقرب إلى الواقع، بينما تتراجع المبالغة البصرية في حجم المناطق القريبة من القطبين.

وتتبنى الأمم المتحدة في قرارها التوجه نحو هذا النوع من الخرائط، من دون فرض إسقاط واحد على جميع الدول أو إلغاء استخدام مركاتور في المجالات التي لا تزال تستفيد من خصائصه.

164 دولة قالت نعم.. ودولة واحدة رفضت. لماذا؟

حصل القرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة على تأييد 164 دولة، مقابل تصويت الولايات المتحدة ضده وامتناع 6 دول عن التصويت.

وقادت توغو المبادرة بدعم من الاتحاد الأفريقي، في مسعى إلى دفع المؤسسات الدولية والحكومات والقطاع التعليمي وشركات التكنولوجيا نحو استخدام خرائط تعكس المساحات الجغرافية بصورة أكثر دقة.

وترى توغو أن المسألة لا تتعلق بالتقنية وحدها، بل بالطريقة التي تشكل بها الخرائط فهم الناس للعالم. وقال وزير خارجيتها روبرت دوسي إن الخرائط تؤثر في التعليم والتصورات الجماعية، وإن تمثيلًا مشوهًا للأرض يمكن أن يرسخ تصورات غير دقيقة عبر الأجيال.

في المقابل، رفضت الولايات المتحدة القرار، واعتبرت ممثلتها لدى الأمم المتحدة أن مثل هذه المبادرات تعكس «أجندات إيديولوجية» وتشتت اهتمام المنظمة عن قضايا أكثر إلحاحًا، مثل السلام والازدهار والعلاقات بين الدول.

لكن القرار لا يحمل أثرًا قانونيًا يلزم الدول بتغيير خرائطها؛ إذ إنه غير ملزم، ويعمل بصورة أساسية كإشارة سياسية ودعوة إلى اعتماد إسقاطات أكثر دقة لتمثيل المساحات.

هل تغيّرت الخريطة فعلًا؟ الإجابة أعقد مما تظن

لم تتغير خريطة العالم فعليًا بمجرد التصويت على القرار.

فالجمعية العامة لم تعتمد خريطة عالمية واحدة لتحل محل مركاتور، ولم تصدر حظرًا على الإسقاط المستخدم منذ قرون. ما حدث هو اعتماد قرار يشجع على استخدام إسقاطات متساوية المساحة، وعلى رأسها «إيكوال إيرث»، في المجالات التي يكون فيها تمثيل المساحات أولوية.

وتظل مركاتور مناسبة لبعض تطبيقات الملاحة، وهو المجال الذي صُممت من أجله أساسًا. لذلك لا يعني القرار اختفاءها من الخرائط البحرية أو الجوية أو الأنظمة التي تعتمد على خصائصها الملاحية.

لكن الأثر المحتمل للقرار يظهر بصورة أكبر في التعليم والخرائط العامة والمواد التوضيحية، حيث لا تكون دقة الاتجاهات هي الهدف الرئيسي.

وتسعى توغو إلى تطبيق توجهها محليًا، إذ قال وزير خارجيتها إن بلاده تأمل في تعديل مواد الجغرافيا المدرسية بحلول نهاية عام 2026، مع الدفع باتجاه تبني خرائط بديلة في دول ومؤسسات أخرى.

هل ترى خريطة مختلفة في جوجل وفي كتاب ابنك؟

ليس بالضرورة.

فالقرار الأممي لا يفرض على شركات التكنولوجيا تغيير خرائطها، ولذلك لن يؤدي التصويت تلقائيًا إلى ظهور أفريقيا بحجم أكبر في كل تطبيقات الخرائط.

وتستخدم خدمات الخرائط الرقمية، ومنها Google Maps، إسقاط Web Mercator في عرض الخرائط الرقمية، وهو امتداد حديث لفكرة مركاتور، مع اختلافات تقنية في التطبيق.

وهذا يعني أن المستخدم قد يستمر في رؤية الخريطة نفسها على هاتفه أو حاسوبه، حتى بعد صدور القرار الأممي.

أما الكتب المدرسية والأطالس، فقد تكون أكثر قابلية للتغيير إذا قررت وزارات التعليم اعتماد إسقاطات متساوية المساحة في المناهج. وفي هذه الحالة، سيظهر الفرق بوضوح بين خريطة تعلمها جيل كامل، وخريطة قد يدرسها الطلاب في السنوات المقبلة.

وبالتالي، لا تعيد الأمم المتحدة رسم حدود الدول، ولا تغير مساحات القارات، ولا تستبدل جميع الخرائط العالمية بقرار واحد. ما تفعله هو الدفع نحو تغيير الطريقة التي نمثل بها العالم بصريًا.

وبعد أكثر من أربعة قرون على ظهور مركاتور، يعيد القرار فتح سؤال قديم بوجه جديد: إذا كانت الخريطة تؤثر في الطريقة التي نرى بها العالم، فهل حان الوقت لأن تكون صورة العالم أقرب إلى حقيقته؟