لطالما أثار نظام العمر الكوري التقليدي فضول العالم، إذ كان يمنح الطفل عامًا كاملًا بمجرد ولادته، ويُضاف عام آخر إلى عمره مع بداية كل عام جديد، بغض النظر عن تاريخ ميلاده.
ففي هذا النظام، كان المولود يُعتبر في عمر عام واحد منذ لحظة ولادته، ثم يصبح أكبر بعام آخر مع حلول الأول من يناير، ما يعني أن شخصين مولودين في تاريخين مختلفين خلال العام نفسه قد يكونان في العمر ذاته وفقًا للنظام الكوري التقليدي.
لكن كوريا الجنوبية اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى توحيد طريقة حساب العمر واعتماد النظام الدولي في معظم الإجراءات الرسمية، لتنهي بذلك حالة الالتباس التي صاحبت تعدد طرق احتساب العمر داخل البلاد.
سنوات تُضاف إلى العمر.. لكن الكوريين يضيفونها إلى متوسط الحياة أيضًا

وبعيدًا عن طريقة حساب العمر، نجحت كوريا الجنوبية في تحقيق تقدم لافت في متوسط العمر المتوقع، لتصبح تجربتها الصحية والاجتماعية محل اهتمام عالمي.
وبحسب بيانات منظمة الصحة العالمية، ارتفع متوسط العمر المتوقع في كوريا الجنوبية بنحو 7.94 سنوات بين عامي 2000 و2021، في واحدة من أسرع القفزات التي سجلتها دولة متقدمة خلال تلك الفترة.
في المقابل، تراجع موقع الولايات المتحدة نسبيًا مقارنة بدول متقدمة أخرى، بعدما لم تواكب التحسن الذي شهدته دول عدة في معدلات طول العمر والصحة العامة بالوتيرة نفسها.
القصة تبدأ من المدرسة

أحد أبرز الفوارق يظهر في العادات الغذائية منذ سنوات الطفولة الأولى.
فالوجبات المدرسية في كوريا الجنوبية لا تقتصر على إشباع الجوع، بل تُصمم لتقديم نموذج غذائي متوازن، بإشراف متخصصين في التغذية. وتضم الوجبات عادةً الخضار والفواكه والأطعمة المخمرة مثل الكيمتشي، إلى جانب مكونات متنوعة تدخل في النظام الغذائي اليومي.
هذا النمط يختلف عن واقع الغذاء لدى كثير من الأطفال في الولايات المتحدة، إذ أظهر تقرير صادر عن المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والسيطرة عليها عام 2023 أن نحو نصف الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين عام وخمسة أعوام لا يتناولون الخضار يوميًا، فيما لا يتناول نحو الثلث الفاكهة بصورة يومية.
ولا تتوقف الفجوة عند الطفولة، إذ تشير دراسات حديثة إلى أن نسبة كبيرة من البالغين الأميركيين تتبع أنماطًا غذائية منخفضة الجودة.
الحركة ليست رياضة فقط

لا يبدو طول العمر في كوريا الجنوبية مرتبطًا بالتمارين الرياضية وحدها، بل بنمط حياة أكثر نشاطًا على مدار اليوم.
وتشير دراسات تناولت ما يُعرف بـ”المعمرين الخارقين”، وهم كبار السن الذين يحتفظون بقدرات إدراكية تفوق ما هو متوقع لأعمارهم، إلى أن النشاط البدني والتفاعل الاجتماعي وتجربة أنشطة جديدة ومليئة بالتحدي تمثل عناصر مشتركة في أنماط حياتهم.
وتقدم بارك ماك-ريه، المعروفة على مواقع التواصل باسم “الجدة الكورية”، نموذجًا لهذا التوجه. فالسيدة البالغة من العمر 79 عامًا تشارك متابعيها وصفات صحية وروتينًا للعناية بالبشرة وتمارين رياضية، إلى جانب الحديث عن أهمية علاقاتها الاجتماعية وصداقاتها المقربة في الحفاظ على جودة حياتها.
وتشير الدراسات إلى أن ممارسة النشاط البدني بانتظام، خصوصًا التمارين التي ترفع معدل ضربات القلب والتنفس، ترتبط بانخفاض خطر الوفاة المبكرة، بينما ترتبط الوحدة والعزلة الاجتماعية بزيادة مخاطر الوفاة لأسباب مختلفة.
الوقاية قبل العلاج
يبرز النظام الصحي أيضًا كأحد العناصر المهمة في التجربة الكورية، مع تركيز أكبر على الفحوصات والرعاية الوقائية إلى جانب العلاج.
ويرى متخصصون أن الاستثمار في الوقاية يمكن أن يبدأ من خطوات بسيطة، مثل الالتزام باللقاحات والفحوصات الدورية، وممارسة الرياضة وتمارين القوة، وزيادة استهلاك الأطعمة النباتية، والحصول على قسط كافٍ من النوم، إلى جانب إدارة التوتر والحد من التدخين واستهلاك الكحول.
وتقوم الفكرة على التعامل مع الصحة باعتبارها استثمارًا طويل الأجل، بدل انتظار ظهور المرض ثم التدخل لعلاجه.
هل يمكن إضافة سنوات إلى العمر؟
ربما لم يعد بإمكان الكوريين إضافة عام كامل إلى أعمارهم بمجرد الولادة كما كان الحال في نظامهم التقليدي، لكن تجربتهم تقدم فكرة أكثر أهمية: العمر لا يُقاس فقط بعدد السنوات، بل بجودة السنوات التي نعيشها.
فإضافة حصة من الخضار إلى النظام الغذائي، أو زيادة الحركة اليومية، أو الحفاظ على العلاقات الاجتماعية، أو إجراء الفحوصات الوقائية، تبدو خطوات صغيرة في ظاهرها، لكنها قد تصنع فارقًا كبيرًا على المدى الطويل.
