يتجه النقاش حول الذكاء الاصطناعي في السعودية إلى التركيز على الجانب العملي، مع انتقال الاهتمام من استعراض إمكانات التقنية ومستقبلها إلى بحث طرق توظيفها داخل الشركات وقطاعات الإنتاج والخدمات والإعلام.
وقال رئيس تحرير صحيفة «الاقتصادية» ورئيس منتدى «الاقتصادية» السنوي، محمد البيشي، إن المنتدى في نسخته الأولى ركز على بحث الاستخدامات الفعلية للذكاء الاصطناعي داخل بيئة الأعمال، بداية من الشركات والمصانع والمتاجر، وصولاً إلى خطوط الإنتاج والمؤسسات الإعلامية.
وأوضح البيشي، خلال مقابلة مع «راديو الشرق بلومبرغ»، أن أحد أبرز الأسئلة التي ناقشها المنتدى يتعلق بجدوى الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وكيفية إدخاله في العمليات التشغيلية، وحجم الإنفاق المطلوب، مقابل العوائد التي يمكن أن تحققها الشركات.
وأشار إلى أن الاهتمام العالمي خلال السنوات الماضية انصب بصورة كبيرة على شركات التكنولوجيا العملاقة، وما تقدمه من أبحاث وتوقعات بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي، إلى جانب النقاش حول مخاطره، بينما لم يأخذ التطبيق المباشر للتقنية داخل قطاعات الأعمال الحيز نفسه من النقاش.
وأضاف أن المنتدى حاول تقديم رؤية أكثر ارتباطاً باحتياجات الشركات، من خلال مشاركة خبراء ورؤساء تنفيذيين ومتخصصين، بهدف مساعدة صناع القرار على تحديد أفضل الطرق لاستثمار موازنات الذكاء الاصطناعي، سواء في تقليص النفقات أو تحسين تجربة العملاء أو رفع كفاءة الأعمال وزيادة الأرباح.
الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سوق العمل
وحول تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف، يرى البيشي أن التحدي الحقيقي لا يكمن بالضرورة في فقدان الوظائف، وإنما في عدم قدرة بعض العاملين على مواكبة التغيرات التي تفرضها التقنيات الحديثة.
وبيّن أن المؤسسات ستظل بحاجة إلى العنصر البشري، لكن المهارات المطلوبة في سوق العمل ستشهد تغيراً تدريجياً مع اتساع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات.
وبحسب البيشي، فإن الموظف الذي يتوقف عن تطوير قدراته قد يواجه صعوبة في الحفاظ على موقعه داخل سوق العمل، بينما ستكون فرص الاستمرار والنمو أكبر أمام من يكتسب المهارات الجديدة ويعرف كيفية الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي.
وأكد أهمية البدء مبكراً في تطوير مهارات العاملين، خصوصاً مع توقع تحول الذكاء الاصطناعي إلى عنصر رئيسي في طبيعة الوظائف وطرق أداء الأعمال خلال السنوات والعقود المقبلة.
السعودية توسع حضورها في الذكاء الاصطناعي
تشهد السعودية نمواً في الاهتمام بتقنيات الذكاء الاصطناعي، مع توسع استخدامها في قطاعات الأعمال والجامعات والمؤسسات التعليمية، بالتزامن مع توجهات استثمارية تستهدف تطوير البنية التحتية اللازمة لهذا القطاع.
وأشار البيشي إلى أن المملكة تعمل على دعم منظومة الذكاء الاصطناعي عبر الاستثمار في مراكز البيانات وقدرات الحوسبة والبنية الرقمية، إلى جانب مشاركة القطاعين الحكومي والخاص في تمويل وتطوير هذه المنظومة.
واعتبر أن حجم الاستثمارات الموجهة إلى القطاع يعكس أهمية الذكاء الاصطناعي ضمن التوجهات الاقتصادية للمملكة خلال المرحلة المقبلة.
كما أشار إلى أن حضور عدد من المسؤولين في منتدى «الاقتصادية» السنوي، ومن بينهم وزير الاتصالات وتقنية المعلومات ووزير الإعلام ونائب وزير الإعلام، يعكس مستوى الاهتمام الذي يحظى به الذكاء الاصطناعي ضمن الأجندة السعودية، إلى جانب توجه المملكة لتعزيز حضورها في هذا المجال.
الذكاء الاصطناعي يتجاوز خفض النفقات
لا يرى البيشي أن الفائدة الاقتصادية من الذكاء الاصطناعي تتوقف عند تقليل التكاليف ورفع كفاءة العمليات، إذ يمكن للشركات توظيف التقنية في تطوير منتجات وخدمات جديدة وابتكار نماذج أعمال تفتح مصادر إضافية للدخل.
ودعا قطاع الأعمال إلى الاستفادة من التجارب التي ظهرت عالمياً خلال العامين الماضيين، خصوصاً تلك التي تمكنت من توظيف الذكاء الاصطناعي في معالجة تحديات تشغيلية وتطوير حلول جديدة لقطاعات متنوعة.
ويرى أن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقال الذكاء الاصطناعي من كونه أداة لتحسين الأداء إلى قطاع اقتصادي قائم بذاته، قادر على توليد الإيرادات والاستثمارات، وهو ما يتقاطع مع توجهات السعودية لتنويع الاقتصاد وتحقيق مستهدفات رؤية 2030.
البيانات والذكاء الاصطناعي «النفط الثالث»
وطرح البيشي تصوراً يعتبر البيانات والذكاء الاصطناعي ومراكز الحوسبة بمثابة «النفط الثالث» للسعودية، بعد قطاع الطاقة والتعدين الذي وصفه بـ«نفط المستقبل».
ويستند هذا التصور إلى ما تمتلكه المملكة من إمكانات في مجال البنية التحتية الرقمية والبيانات والحوسبة، إضافة إلى الاستثمارات المتنامية في تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وأشار إلى أن تطوير هذه المنظومة يمكن أن يحول الذكاء الاصطناعي إلى أحد القطاعات المؤثرة في الاقتصاد السعودي، سواء من خلال الإيرادات المباشرة أو الاستثمارات أو الوظائف الجديدة أو رفع إنتاجية القطاعات المختلفة.
وبذلك، لا يقتصر التوجه السعودي تجاه الذكاء الاصطناعي على تبني التكنولوجيا الحديثة، وإنما يمتد إلى بناء منظومة اقتصادية متكاملة يمكن أن تسهم في دعم الشركات، وتحسين الإنتاجية، وخلق فرص جديدة، وتعزيز مصادر النمو والإيرادات خلال العقود المقبلة.
