محاكمة البطالة .. عزيزي الطالب ليست الوظيفة هي المصدر الوحيد للمال، وقبل أن تشح الفرص: غير طريقة تفكيرك.. تتغير حياتك، محاكمة علنية: من المسؤول الحقيقي عن “البطالة”؟ (الطالب، الجامعة، الشركات، والوالدين.. أمام مرآة الحقيقة) هل تساءلت يومًا لماذا يبيت شاب يحمل شهادة جامعية عاطلاً عن العمل، بينما يبيت صاحب متجر صغير لم يكمل تعليمه وهو يربح المال؟
محاكمة البطالة: قفص الاتهام والكل بريء والكل ضحية
تدور محاكمة البطالة الصامتة والخطيرة في عالمنا اليوم، أطرافها ثلاثة: الطالب، والجامعة، والتاجر (صاحب الشركة)، المشكلة هي “البطالة”، والكل يقف في قفص الاتهام يدافع عن نفسه بحجج منطقية جدًا، لكن الضحية في النهاية هي مستقبل الطالب. فمن المسؤول الحقيقي؟.
قفص الاتهام: الكل بريء والكل ضحية، إذا استمعنا إلى أطراف القضية، سنجد أن كل واحد منهم يملك عذرًا يصدقه العقل:
حجة الطالب: يقول الشاب:
“لقد نفذت الاتفاق؛ سهرت الليالي، وحفظت الكتب، وحصلت على الشهادة التي تفتخر بها عائلتي. ظننت أنني بفعل هذا قد (جبت رأس قليس) وأديت واجبي، والآن حان دور السوق ليعطيني راتبًا مجزيًا مكافأة على تعبي في الحصول على الشهادة، لا بناءً على مهاراتي”.
حجة الجامعة
ترفع الجامعة يدها قائلة:
“أنا مؤسسة أكاديمية ولست مكتب توظيف، مهمتي أن أضع منهجًا، وأنظم امتحانات لأختبر حفظ الطالب. لقد ملأت عقله بالمعرفة، وهذا أقصى ما يمكنني فعله”.
حجة التاجر والشركات
يصرخ صاحب العمل قائلاً:
“أنا لست جمعية خيرية تصرف رواتب بالمجان! الشهادة التي يحملها الطالب لا تطحن طحيناً في شركتي، فهو لا يملك المهارة الحقيقية التي تجلب لي الزبائن أو تطور الإنتاج”.
الجميع صادقون، والكل أعذاره منطقية.. ولكن المشكلة ما زالت قائمة! الخلل إذًا ليس في الأشخاص، بل في طريقة التفكير التي يفكر بها هؤلاء الثلاثة.
تشريح المشكلة: كيف تفلس الشركات؟
كيف تدار الشركات من الداخل؟ دعنا نوضح الأمر ببساطة؟ الشركة ليست مغارة علي بابا مليئة بالذهب، بل هي كيان يصارع الموت كل شهر، تخيل أن هناك شركة يدخلها 100 ريال في نهاية الشهر، كيف تُوزع هذه الأموال لكي تعيش الشركة ولا تغلق أبوابها؟
- 60 ريالاً (60%) تذهب مباشرة لدفع رواتب الموظفين (20% منهم يحققون الإنتاج المباشر للشركة، والباقي خدمات مساندة يمكن الاستغناء عنهم).
- 30 ريالاً (30%) تذهب لشراء المواد الخام، ودفع إيجار المكاتب، وفواتير الكهرباء والتشغيل.
- 5 ريالات (5%) تُصرف على تطوير الشركة وتوسيعها حتى لا تموت غدًا.
- 5 ريالات فقط (5%) هي الربح الصافي الذي يأخذه صاحب الشركة أو المساهمون.
الآن، تخيل لو أن صاحب هذه الشركة تعاطف مع الخريجين، ووظف عشرة شبان ليس لديهم مهارة، فقط لأنهم يحملون شهادات.
الرواتب ستلتهم الـ 30 ريالاً الخاصة بتكاليف التشغيل، ثم ستأكل الـ 5 ريالات الخاصة بالتطوير، وهنا تفلس الشركة تمامًا وتغلق أبوابها، ويُطرد كل الموظفين القدامى إلى الشارع.
الشركات تجاهد لتضع “ريالاً فوق ريال” من الصفر بداية كل شهر لتأمين مصاريفها، ولا يوجد أي قانون أخلاقي أو اقتصادي يجبرها على الانتحار المالي من أجل توظيف شخص لا يقدم قيمة مضافة للإنتاج.
المخرج من النفق: كيف نحول المعرفة إلى أثر ملموس؟
إن الحل لا يكمن في انتظار المعجزات، بل في تغيير العقلية الجمعية عبر خطوات ثورية:
أولاً: ثورة في عقلية الطالب (من باحث عن وظيفة إلى صانع مال)
عزيزي الخريج، يجب أن تدرك فورًا أن الوظيفة ليست المصدر الوحيد للمال، بل هي أحيانًا”منطقة راحة” تخدعك الشركات ليست مسؤولة عن الصرف عليك وكأنها عائلتك، ويمكنها الاستغناء عنك في أي أزمة اقتصادية للحفاظ على بقائها.
لماذا تضع رقبتك ومستقبلك رهينة تحت رحمة تقلبات السوق؟ بدلاً من أن تستجدي الشركات لتعطيك راتبًا، اصنع أنت المال وتصرف كتاجر.
بوجود مؤسسات التمويل من الصفر والإنترنت والذكاء الاصطناعي اليوم، يمكنك إطلاق مشروعك الخاص أو تقديم خدماتك للعالم كله من غرفتك وبدون رأس مال، العملة الحقيقية اليوم ليست ورقة الشهادة، بل “المهارة التي يشتريها الناس منك لتعالج مشاكلهم”.
ثانيًا: الأستاذ الجامعي.. لابد أن يهتز كرسيه العاجي.
إعادة هيكلة الجامعات (من مستودعات حفظ إلى مصانع لرواد الأعمال):
على الجامعات أن تتوقف عن دور “المطبعة” التي تطبع شهادات كرتونية لخريجين هم عبارة عن مستودعات معرفة غير قابلة للتطبيق، يجب تغيير المناهج ليكون الهدف هو إنتاج “رواد أعمال ومبتكرين”.
يجب إلغاء الامتحانات التقليدية القائمة على الحفظ والتلقين، واستبدالها بمشاريع تخرج حقيقية قابلة للتحول إلى شركات ناشئة في السوق، يجب أن يتولى التدريس تجار ومستثمرون حقيقيون يعلمون الطلاب كيف يُصنع المال، بدلاً من أكاديميين يعيشون في أبراج عاجية.
ثالثًا: الشركات كشريك موجه
على الشركات أن تخرج من دور المتفرج المتذمر. من مصلحة التاجر الاستثمار في تدريب الطلاب وتوجيه الجامعات نحو التخصصات التي يحتاجها السوق فعليًا؛ لضمان الحصول على عمالة جاهزة فورًا دون هدر أموال في إعادة التأهيل.
حكم المحكمة النهائي
إذا اخترت – كشاب – أن تبقى في “منطقة الراحة” وتنتظر أن تطرق الشركات بابك مكافأة لك على شهادتك، فتحمل مسؤولية خيارك؛ فلن يندم أحد غيرك عندما يتقدم بك العمر وتشح الفرص.
الفرص متاحة اليوم من الصفر لكل من يريد أن يصنع نفسه بنفسه، لن تنتهي البطالة حتى يفهم الطالب والجامعة والمجتمع أن المعرفة بلا تطبيق هي مجرد حبر على ورق، وأن القيمة الحقيقية للإنسان هي ما يمكنه إنجازه بيديه وعقله، لا بما يحمله في ملف تخرجه.
عزيزي الطالب: قف أمام المرآة لحظة وانظر إلى وجهك واسأل نفسك: بأي حق أخلاقي أو منطقي تطلب من الشركات التي تصنع المال أن تعطيك المال الذي تصنعه، ولا تحاول أنت أن تصنع المال بنفسك مثلها؟
سؤالي لك: استبدل العقلية الاتكالية بعقلية صانع الفرص. ألا ترى أن الأجدر بك أن تصنع مالك الخاص بدلاً من انتظار مالٍ تعب فيه غيرك؟.
عزيزي الأستاذ الجامعي: قف أمام المرآة وانظر إلى وجهك واسأل نفسك: هل ما تقدمه لهذا الطالب سيحقق له عيشة كريمة؟ يجب عليك أن تتحمل المسؤولية الأخلاقية، وتخرج من دور “الموظف الذي يلقي محاضرته ويمشي” إلى دور “المسؤول عن مصير بشر”.
أما أنت يا صاحب الشركة يا صانع المال: (أنت الأمل) وبقاؤك في السوق هو صلب الاقتصاد، وكان الله في عونك، لا أعرف كيف تتحمل مصيبة جلب المال ثم إنفاقه كرواتب موظفين، وفي نفس الوقت تُطالب بأن توظف من يكون عبئاً عليك.
ولكن نصيحة أخيرة: هؤلاء أبناؤك، فابتعد عن الطمع والجشع، وابتعِد عن الرأسمالية المتوحشة، وأدِّ دورك في المسؤولية الاجتماعية.
المواجهة الأسرية: كسر الدائرة
أعزائي الأب والأم: ابنكم يستحق الدعم فكونوا سنداً له، لا عثرة في طريقه، والسؤال هنا للأب: لماذا لم تضع في حساباتك أن ابنك قادم لهذه الدنيا ومسؤوليته تقع عليك لأنك أنت من سبقه إليها؟ لماذا لم تُهيئ له الظروف الجيدة ليبدأ حياته بمشروع يقيه تقلبات الحياة بدلاً من تركه يواجه المجهول؟
وأنت أيها الطالب: ليس مفروضًا عليك أن تخطئ كما أخطأ والدك وتكرر ذات الغلطة، المهمة أمامك صعبة بلا شك، ولكن لابد أن تصنع المال لنفسك ولأبنائك في المستقبل لكي لا يقع ابنك في ذات الفخ الذي أنت واقع فيه الآن.
لقد جاء وقتك لكي تكسر هذه الدائرة من الفقر؛ فالشركات ليست “بقرة حلوبًا” ترضع منها من مكتب مريح ومكيف وأنت تؤدي أعمالاً بسيطة وروتينية يستطيع الذكاء الاصطناعي اليوم أن يقوم بها أفضل منك بمليون مرة! لماذا لا تصنع أنت بقرتك الخاصة (مشروعك) لتحلب منها ما تشاء من المال، وتؤسس عائلة ثرية جديدة تدعو لك بالخير، بدلاً من أن تدعي عليك بعد رحيلك؟
جامعات القوالب المنسوخة هل ضاعت بوصلة الابتكار وصناعة الثروة؟
في الوقت الذي يمر فيه العالم بتحولات تقنية واقتصادية جذرية، يبرز السؤال الجوهري الذي يمس جرح التعليم التقليدي: لماذا تُدرب الجامعات طلابها على مطاردة الوظائف والاستجداء المالي، بدلاً من تأهيلهم لقيادة السوق وصناعة الثروة؟
إن الأزمة الحقيقية التي تواجه طموحات الشباب اليوم تتمثل في خطوط الإنتاج الأكاديمية التي تخرج “نسخاً مكررة” تحمل إجابات الأمس لأسئلة الغد، عوضاً عن كونها حاضنات تطلق المبتكرين.
متى نتعلم الدرس؟ عندما يفكك الذكاء الاصطناعي قلاع الموارد البشرية
إننا لا نمر بمرحلة تحديث تقني عابر، بل نواجه تفكيكاً جذرياً للهياكل المؤسسية التقليدية؛ وقريباً جداً، ستخلو ردهات الشركات والإدارات الحكومية من أقسام الموارد البشرية، وتتحول منصات التوظيف الكبرى مثل (LinkedIn) إلى إرث من الماضي تحت وطأة الأتمتة الكاملة.
إنه عالم مختلف جدًا وجديد؛ حيث تقوده الخوارزميات الصارمة، التي تلاشت فجوة “المهارات الصلبة” وتساوى الجميع أمام الآلة، وهنا تجلت الحقيقة الكبرى:
لقد أغلق الذكاء الاصطناعي كل منافذ التميز التقليدية، ولم يترك للبشر مساحة للتفوق والسيادة إلا في النطاق الوحيد المستعصي على الرقمنة والترميز: فيض مشاعرنا، وعمق عواطفنا، وذكائنا الوجداني الفريد.
تابعوا تفاعل السعودية؛ لأننا نكون دائمًا في قلب كل جديد في عالم المقالات المختلفة، ونختار لكم الأفضل قبل أي أحد آخر.
د. حسين العسيري.
طبيب وخبير ذكاء اصطناعي.
https://tafaol.sa/124162/

















